الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

169

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

يقذف به الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وعندما سموه بالشاعر لم يقبل بذلك ، فقالوا : كاهن فلم يقبل ، قالوا : مجنون فرفض ، فقالوا : ساحر ، قال : بلى ، وذلك لمخالفتهم فكرة السحر الذي كان يفرق بين المرء وأهله ، أو يجمع الواحد والآخر ، وإنما ظهر ذلك في عصر الإسلام ، قد عبر القرآن عن هذه الحالة التي حدثت عند الوليد بتعبير مختصر وبليغ لمطالعته للأمر وتفكره ، ثم تقديره لذلك وإن كان أصل الاقتراح من قريش ، وعلى كل حال فإن تكرار المعنى في الآيتين دليل على دهاء الوليد في تفكره الشيطاني ، ولذا كانت شدة تفكره سببا للتعجب . بعدئذ يضيف الله تعالى : ثم نظر ، أي نظر بعد التفكر والتقدير نظرة من يريد أن يقضي في أمر مهم ليطمئن من استحكامه وانسجامه : ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر ، فقال إن هذا إلا سحر يؤثر ، إن هذا إلا قول البشر ، بهذه الأقوال يظهر عداءه للقرآن المجيد ، وذلك بعد تفكره الشيطاني ، وبقوله هذا صار يمدح القرآن من حيث لا يدري ، وإذا أشار إلى جاذبية القرآن الخارقة وتسخيره للقلوب ، وسحر القرآن الذي يسحر القلوب كما في قولته ، وما كان للقرآن من شبه بسحر الساحرين ، بل إنه كلام منطقي وموزون ، وهذا هو دليل على نزول الوحي به ، وليس هو بكلام البشر ، بل صدر من عالم ما وراء الطبيعة من علم الله اللامتناهي ، الذي جمع في انسجامه واستحكامه كل المحاسن . " عبس " : يعبس عبوسا ، والعبوس الذي يقبض وجهه . " بسر " : من ( البسور ) وتعني أحيانا العجلة في إتمام العمل الذي لو يحن حان وقته ، وأحيانا بمعنى قبض الوجه وتغيره ، والمعنى الثاني يناسب العبس ، وعلى المعنى الأول يكون إشارة إلى اتخاذ القرار العاجل في الصاق ما لا يليق بالقرآن المجيد . " يؤثر " : من ( الأثر ) ، وهو ما يروى عن الماضين مما بقي من الآثار ، وقيل من " الإيثار " بمعنى الترجيح والتقديم .